سعاد الحكيم

50

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )

وقد استعصى حال الفناء العشقي على الدخول في لغة الكلام ، لذلك عبّر كل صوفي عن حالته العشقية بلغة يوحي ظاهرها بالاتحاد ، مع تحذيره القارئ من أن يتوهم بين الإنسان واللّه اتحادا أو حلولا . . يقول الجيلي في القصيدة العينية التي ننشرها : تنزّه ربّي عن حلول بقدسه * وحاشاه ، ما بالإتّحاد مواقع ويرى الجيلي بأن البداية هي ميل الإرادة نحو الآخر ، والنهاية هي العشق وظهور العاشق بالصورتين . . وما بين الميل والعشق يقطع الإنسان مراتب سبع ، فيكون المجموع تسع ؛ يقول الجيلي : « واعلم أن الإرادة لها تسعة مظاهر في المخلوقات : المظهر الأول هو الميل وهو انجذاب القلب إلى مطلوبه . فإذا قوي جدا سمي ولعا ، وهو المظهر الثاني للإرادة . ثم إذا اشتد وزاد سمي صبابة ، وهو إذا أخذ القلب في الاسترسال فيمن يحب فكأنه انصبّ كالماء إذا أفرغ لا يجد بدّا من الانصباب ، وهذا هو المظهر الثالث للإرادة . ثم إذا تفرّغ له بالكلية وتمكّن ذلك منه سمى شغفا ، وهو المظهر الرابع للإرادة . ثم إذا استحكم في الفؤاد وأخذ عن الأشياء سمّي هوى ، وهو المظهر الخامس . ثم إذا استوفى حكمه على الجسد سمى غراما ، وهو المظهر السادس للإرادة . ثم إذا نما وزالت العلل الموجبة للميل سمي حبا ، وهو المظهر السابع . ثم إذا هاج حتى يفنى المحب عن نفسه سمّي ودا ، وهو المظهر الثامن للإرادة . ثم إذا طفح حتى أفنى المحب والمحبوب سمى عشقا وفي هذا المقام يرى العاشق معشوقه فلا يعرفه ( . . . ) وهذا آخر مقامات الوصول والقرب ، فيه ينكر العارف معروفه فلا يبقى عارف ولا معروف ولا عاشق ولا معشوق ، ولا يبقى إلا العشق وحده . والعشق هو الذات المحض الصرف الذي لا يدخل تحت رسم ولا اسم ولا نعت ولا وصف ، فهو - أعني العشق - في ابتداء ظهوره يفنى العاشق حتى لا يبقي له اسما ولا رسما ( . . . ) فإذا امتحق العاشق وانطمس أخذ العشق في فناء المعشوق والعاشق . فلا يزال يفنى منه الاسم ثم الوصف ثم الذات فلا يبقى عاشق ولا معشوق ، فحينئذ يظهر العاشق بالصورتين ويتصف بالصفتين فيسمّى بالعاشق ويسمّى بالمعشوق . . . » « 1 » .

--> ( 1 ) الإنسان الكامل . . . ، ج 1 ، ص ص 48 - 49 .